الحلقة الثالثة
 (المشرف العام) - (2010-01-26م)

بسم الله الرحمن الرحيم



منابع أهمية الشعور بالمسؤولية
تنبع أهمية الشعور بالمسؤولية ــ بصورة عامة ــ في الحياة الفردية والاجتماعية من أهمية الأعمال التي يراد أدائها ، فأن الفرد أو المجتمع ما لم يشعر بأهمية أداء عمل مّا أو يشعر بأهمية تحقيق هدف مّا لا يمكن أن يشعر بالمسؤولية تجاهه ، بل يقابله بالسلبية من هذه الناحية . ومن هنا نعرف أن كل عمل أو هدف مهم في الحياة الإنسانية لابد أن يكون هناك منشأ لأهميته ، سواء كان ــ هذا المنشأ ــ دينياً أو فكرياً أو نفسياً أو اجتماعيا أو غير ذلك ، وهذا المنشأ يكون هو الدافع للشعور بأهمية العمل ، وبالتالي يكون هو الدافع للشعور بالمسؤولية . وهذا المعنى ينطبق على حركة العاملين في سبيل الله تعالى . فأن أهمية الشعور بالمسؤولية في حركة العاملين تنبع من أهمية الأعمال التي يتوخى العاملون أدائها، فأن العاملون ما لم يشعروا بأهمية أعمالهم، لا يمكن أن يشعروا بالمسؤولية تجاهها، بل يقابلونها بالسلبية . وعلى هذا الأساس لابد أن نعرف المنشأ لأهمية أعمال العاملين في سبيل الله تعالى، فأن هذا المنشأ هو الدافع للشعور بأهمية هذه الأعمال، وبالنتيجة يكون ــ هذا المنشأ ــ دافعاً للشعور بالمسؤولية تجاهها . ومن هنا نسأل ماهو هذا المنشأ ؟ . ونجيب عن هذا السؤال بأن هناك مناشيء متعددة لأهمية عمل العاملين في سبيل الله تعالى، وعلى رأسها المنشأ الديني المتمثل بالتكليف الإلهي الذي يصب فيه المنشأ الحركي الذي يتمثل في الضرورة العملية والمنشأ الواقعي الذي يتمثل في مواجهة الواقع . ويمكن القول أن المنشأ الأساسي لأهمية عمل العاملين في سبيل الله تعالى هو أنه جزء من التكليف الإلهي وجزء من الرسالة الدينية ، ويتمثل هذا التكليف الإلهي في تبليغ الرسالة الإسلامية للناس وتحكيمها في الحياة والدفاع عنها، فهو منشأ إلهي وديني، وبهذا يكون التكليف الإلهي والرسالة الدينية هي الدافع للشعور بالمسؤولية للعاملين في سبيل الله تعالى تجاه عملهم . ومن الواضح أن الشعور بالمسؤولية تجاه التكليف الإلهي المتمثل بتبليغ الرسالة وتحكيمها في الأرض والدفاع عنها هو مقتضى خلق الإنسان ، قال الله تعالى : {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } الأحزاب ــ الآية 72، وهو ــ أي التكليف الإلهي ــ مقتضى خلافة الإنسان في الأرض ، كما قال تعالى : (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) البقرة ــ الآية 30، والشعور بالمسؤولية تجاه التكليف الإلهي هو الذي يحقق إنسانية الإنسان ويسير به في مدارج الكمال ، ولذلك أنكر الله تعالى على بني إسرائيل عندما تخلّوا عن تحمل أعباء التكليف الإلهي ومثلهم بالحمار، في قوله تعالى : {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ }الجمعة5 ، ومن هنا قال أحد العلماء في مقام الإشارة إلى الشعور بالمسؤولية : ( العزم جوهر الإنسانية )، أي هو الذي يحقق إنسانية الإنسان، ويخرجه من الحيوانية . وهذا ما يجعلنا ندرك أن المنشأ الأساسي لأهمية عمل العاملين في سبيل الله تعالى ــ وهو هذا التكليف الإلهي ــ هو منشأ مقدس وشريف، وقدسيته ليس بعدها قدسية، وشرفه ليس بعده شرف، وإذا كان منشأ أهمية العمل مقدساً وشريفاً يكون نفس العمل مقدساً وشريفاً، وبالتالي يكون الشعور بالمسؤولية تجاه أداء العمل مقدساً وشريفاً . ومن هنا وتبعاً لقداسة العمل وشرفه يكون العاملون في سبيل الله تعالى الشاعرون بالمسؤولية تجاه أداءه مصطبغون بصبغة القداسة والشرف، ولذلك نسبهم الله تعالى إلى ربوبيته في قوله تعالى : {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } آل عمران146، إذن فالشعور بالمسؤولية عند العاملين في سبيل الله تجاه عملهم من حيث هو ناشيء من التكليف الإلهي والرسالة الدينية هو أمر في غاية الأهمية ، بل وفي غاية القداسة والشرف .
المنشأ الثاني لأهمية عمل العاملين في سبيل الله تعالى هو أن الشعور بالمسؤولية عند العاملين تجاه عملهم يمثل جزء مهم من العمل نفسه، إن لم نقل أنه يمثل حقيقة العمل وقلبه، فأننا إذا لاحظنا طبيعة العمل وحقيقته سوف نجد أنه كله عبارة عن حركة ومبادرة وفاعلية ونشاط، والعاملون هم عبارة عن أفراد حركيون ومبادرون وفاعلون وناشطون . ومن الواضح أن هذه الأمور إنما تنسجم مع وجود الشعور بالمسؤولية، ولا تنسجم مع عدم الشعور بالمسؤولية، فأن الشعور بالمسؤولية هو الذي يخرج العمل من السكون إلى الحركة، ومن الخمول إلى المبادرة، ومن السلبية إلى الفاعلية، ومن الكسل إلى النشاط، ويخرج العاملين من صفة الساكنين إلى صفة المتحركين ، ومن صفة الخاملين إلى صفة المبادرين ، وهكذا . ولذلك جعل الله تعالى معنى المجاهدين يقابل معنى القاعدين في مقام التفضيل، كما في قوله تعالى : (َضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ) النساء ــ 95 . إذن فالشعور بالمسؤولية عند العاملين من حيث أنه يحقق وجود العمل ويقوّم حقيقته هو أمر لاشك في أهميته وضرورته العملية .

المنشأ الثالث لأهمية عمل العاملين في سبيل الله تعالى هو أن الواقع الذي تعيشه الرسالة الإسلامية لم يكن في يوم من الأيام واقعاً مرتاحاً ولم يكن في يوم من الأيام واقعاً خالياً من التحديات، بل هو واقع عصيب، ومليء بالتحديات، على طول عمر هذه الرسالة المباركة، وكل ذلك بفعل أعداء هذه الرسالة الذين يعملون على تقويض أسسها وبناءها، سواءً على المستوى الفكري والثقافي أو على المستوى الاقتصادي والاجتماعي أو على المستوى السياسي والعسكري، سواءً من الخارج المتمثل بحركة الكفر، أو من الداخل المتمثل بحركة النفاق، وإطلالة سريعة على ماضي المسلمين وحاضرهم كافية لإدراك هذه الحقيقة . ومن الواضح أن هذا الواقع العصيب والمليء بالتحديات، يتطلب من العاملين في سبيل الله تعالى شعوراً بالمسؤولية تجاه الدفاع عن الرسالة الإسلامية، في خط مواجهة هذه التحديات ، بل قد يتطلب منهم رفع مستوى الشعور بالمسؤولية ، وذلك في الوقت الذي يرتفع فيه مستوى التحدي وتكون الرسالة في موقف صعب، وأعلى مستوى من مستويات الشعور بالمسؤولية هو الذي يتطلب فيه الوضع الصعب للرسالة إلى التضحية بالنفس، والشهادة في سبيل الله تعالى، يقول الله تعالى : {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ }التوبة111 . إذن فالشعور بالمسؤولية عند العاملين في سبيل الله تعالى من حيث أنه ناشيء من ضرورة وأهمية مواجهة تحديات الواقع التي تمر بها الرسالة الإسلامية، هو أمر في غاية الأهمية والضرورة .
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة
» التعليقات «1»
احمد الربيعي
[ العراق - ]
كلام رائع ويعبر عن الحقيقه
36729
جمبع الحقوق محفوظة 2009 الفداء الموقع الرسمي لمركز الثائر للثقافة والإعلام

برنامج المتميز الاخبارى  الاصدار 1.5 احد برامج ايماكس للخدمات البرمجية © 2010